Logo

سجن وحريات وحصار وإعلامٌ معادٍ

04/11/2019 صلاح الدين عواود

من المفروض أو المفترض أن لا تجتمع النقائض مع بعضها في مكان، لكن في قطاع غزة كان عليها أن تجتمع، فقطاع غزة محاصر ويكاد يجمع العالم على وصفه بأنه أكبر سجن في التاريخ، بل وفي ميزان السجون هو أقرب إلى سجون الدكتاتوريات والأنظمة الظلامية منه إلى سجون بلاد الديموقراطيات الراسخة، فهنا يحرم الأطفال من طفولتهم وليس فقط البالغون والكبار، وعند الحديث عن الحريات فهذا السجن بكل من فيه محروم من كل الحقوق وكل الحريات، فلا حرية عمل ولا حرية سفر ولا حق في التملك ولا حتى حق في العيش، وأذكر ذلك الصديق من غزة زميل الأسر في سجن نفحة الصحراوي الذي أفرج عنه من عندي من نفس غرفة السجن عام 2007 فحرص على أن يشتري من كنتين السجن حذاءً ليأخذه معه إلى غزة حيث لا يوجد هناك ولا يسمح بإدخال الأحذية إلى غزة، ومن هذه الزاوية الضيقة يمكننا أن نقارن حياة السجن وحياة قطاع غزة، والمقال هنا ليس لسرد أو وصف شدة الحياة في هذا السجن بقدر ما هي محاولة لفهم التناقض المفروض على هذا السجن وهو أن تجمع بين السجن الذي يعني الحرمان المطلق من الحقوق والحريات ثم تطلب من السجين حقوقاً وحريات هي أساسيات لا مجال للتفريط بها.

في السجون الإسرائيلية، طوّر الأسرى كأبناء للمقاومة الفلسطينية وكنخبة من نخب الشعب الفلسطيني نظاماً داخلياً يعيشون في إطاره أسموه النظام الداخلي للحركة الأسيرة، هذا النظام طوره الأسرى رغم أنف السجان، ومن العدم، حتى أن مواده المكتوبة كتبت على ورق السجائر وأغلفة المرجرين، وتم نقلها في الأمعاء، والاحتفاظ بها في أماكن أعجزت خبراء التفتيش من السجانين، وهذا النظام الداخلي شمل الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية والأمنية وغيرها، وعند الحديث عن الجانب الأمني علينا أن نتوقف هنا.

أبناء مقاومة في سجون العدو وهم عصب هذه المقاومة وأرشيفها وميراثها وذخرها وقادتها، ولكنهم في السجن وبين أنياب عدوّهم (كالمقاومة المسجونة في غزة )، ولا يملكون أي حق من الحقوق ولا أي حرّية من الحريات، إلا إيمانهم بحقهم في وطنهم الحر وإرادتهم التي لا تنكسر، وهم مستهدفون وهم في السجن لكسر إرادتهم، ويمارس العدو عليهم كل شيء لكسرهم، وعليه فهم مضطرون للدفاع عن أنفسهم ومن هنا كان لا بد من العمل الأمني داخل السجن، وإذا تكلمنا عن الأمن من جهة وعن الحريات من جهة أخرى وجدنا أنهما في مواجهة حتى في أكثر ديموقراطيات العالم رسوخاً، فعند الخوف غالباً ما يتم الاعتداء على الحقوق والحريات، حتى بالقانون كإعلان حالة الطوارئ ومع ذلك على السجين المستهدف في ذاته أن لا يظلم وأن لا ينتهك حقوق السجناء الآخرين وأن يجمع رغماً عنه بين النقيضين وأن يضرب على يد الخونة ويحقق معهم ويحمي صفه دون أن يتورط في انتهاكات (حقوق الإنسان للسجين) .

دون الخوض في تفاصيل أكثر عن حياة الأمن في السجون نعود إلى الأمن في أكبر سجن في العالم، هذا السجن الذي يُعتبر الكون كله فيه سجّانا، وكل ما يملكه السجناء هناك هو إرادتهم التي لا تنكسر، هذا السجن الذي يتحكم العدو فيما يدخل إليه من مأكل وملبس، بل ويجتمع عليه حلفاء لهذا العدو من الداخل والخارج، يجد السجين فيه نفسه مضطراً للتعامل مع سجانه كمصدر وحيد للسلع والمال، حتى الإغاثة التي يحصل عليها السجين توزع غالباً وفقاً لرغبة السجان ووفقاً لمعاييره، وعليه فهذا السجين، مطلوب منه أن يرفّه الناس (السجناء) كأي سلطة طبيعية وهو لا يملك طعامه بشكلٍ حر، وعليه أن يحترم حرياتهم وهو لا يملك حريته، ومطلوبٌ منه أن يعطيهم حقوقاً منتزعةٌ منه أصلاً لأنه مقاتل الحرية وهو أمل المقموعين والمضطهدين في كثير من بقاع العالم.

ومن هذا المنطلق لا مبرر للاعتداء على الحقوق والحريات ولا تحت أي ظرف من الظروف ، ولكن يجب أن يفهم الأمر على حقيقته، وهي أن من ينتهك حقوق وحريات هؤلاء جميعاً في العيش والعمل والتنقل وغيرها هو السجان ومن يتعاون معه لا السجين نفسه، فالسجان لا يسمح له باستيراد ملابس الشرطة فضلاً عن أدوات مكافعة الشغب وفرض النظام ، والسجان الذي يهدم البيوت فضلاً عن السجون والمقرات الأمنية ليس حريصاً على حقوق السجين، والسجان الذي يتحكم في الغذاء والدواء والوقود والمال والرواتب والصادرات والواردات وأنواعها هو من يتحدث عن حق المواطن السجين في قطاع غزة في العيش بكرامة ليس رأفة بالمواطن بل بهدف تثوير المواطن على سلطاته وهنا التحدي لسلطة المقاومة التي كان عليها أن لا تقع في فخ الاحتلال وتتورط في الاعتداء على الحريات والحقوق رغم الحصار والقيود وقلة ذات اليد والتهديدات الخارجية المتربصة بالقطاع .

مع ذلك من المهم ذكره أنه رغم كل هذه التحديات بنت المقاومة (السّجينة) في غزة قواتٍ مسلحة وأدخلت السلاح وطورت أسلحةً وعتاداّ، وشكلت أسطورةً سيخلدها التاريخ، من صناعة المستحيل، وشكلت نموذجاً بل ومصدر إيحاء لكل أحرار العالم، وللشعوب المقهورة المغلوب على أمرها، من حرية من الاحتلال يبنى عليها حرية للمواطن وحقوقا حرم منها هؤلاء جميعاً، وهو ما سبب صدمةً للكثيرين سيما من المؤيدين عندما امتحن هذا النموذج في مجالات لم يبن فيها أسطورةً موازية لتلك العسكرية، فقد كان المأمول من هذا السجين أن يبني اقتصاداً قوياً مقاوماً -ولوعبر التهريب -كالسلاح الذي بناه عبر التهريب أيضاً، حتى لو لم يكن مطلوباً منه أن يهرب سجوناً بمواصفات اسكندنافية ويدفنها في الأنفاق كما يهرب الصواريخ ، بل وأن يهرّب كل وسائل الرفاه للسجناء تهريباً.

نعم إنه الفارق بين الواقع والتوقعات، فرغم الواقع المستحيل كانت مقاومة أسطورية، ورغم التجويع ظل الناس واقفين على أرجلهم ولو في العراء، ورغم المؤامرات والخيانات والاختراقات تمتع المواطن (المسجون) في قطاع غزة بحريات أكثر من كثير من مواطني دول ليست محاصرة، ولكن ما حصل لم يتناسب مع ما كان متوقعا، فما كان متوقعاً من (سلطة المقاومة) أن تبذل ما بوسعها لرفاهية مواطنيها، وأن تكون نموذج حرية كحرية إرادتها، مما كان يجب أن ينعكس على المواطن بما يتناسب مع أسطورة المقاومة نفسها وهو ما يعني أن الحريات لمواطنيها كانت ينبغي أن تكون من الأعلى في العالم، فسلطة المقاومة التي تبذل أرواحها وبيوتها ومقراتها وأموالها دفاعاً عن شعبها، وعن أرضها، متوقع منها أن تبذل أكثر من هذا لرفاهيته، والمقاومة التي ملكت رغم المستحيل سلاحاً يضرب ويهزم أحد أقوى جيوش الأرض، ويطال أكثر مدن العالم تحصيناً بالدفاعات الجوية والأرضية ما كانت لتقيد حريات شعبها .

لذلك هل تقف المقاومة عند هذا الحد من الحريات والحقوق؟ بالتأكيد لا، فكما أن المقاومة يجب أن لا تكتفي بسلطة في قطاع غزة لم تكن مطلبها الوحيد، وكما أن أعينها على القدس وفلسطين يجب أن تكون عينها على كل الحقوق والحريات لكل المظلومين والمقموعين والمقهورين في كل العالم لا في قطاع غزة فقط.

فالمقاومة التي تسعى للحرية وتقاتل وتُقتل من أجلها، ليست دولة مستقلة مستقرة ومطلوب منها تحقيق شروط للانضمام للاتحاد الأوروبي كتركيا، وليست دولة اشتراكية يتمتع مواطنوها باقتصادٍ قوي لكنها لا تعطي حريات سياسية كالصين، ولكنها من المفروض أن تكون رائدة الحريات فكما حققت حرية الإرادة السياسية التي حرمت منها دول وشعوب، عليها أن تبقى محط آمال المضطهدين ومصدر الإيحاء لهم، وإذا كانت الحرية ترفاً عند غيرها فعندها الحرية حمراء دونها خرط القتاد، وهو ما يقتضي مراجعة هذه التجربة جيداً واستخلاص العبر والدروس اللّازمة، لحفظ الحريات والحقوق في أحلك الظروف.